بينما كانت بغداد تترقب استثناء ناقلاتها النفطية من تداعيات التوتر المتصاعد في مضيق هرمز، تبخرت "التطمينات" الإيرانية عند أول اختبار حقيقي، كاشفةً، بحسب الخبير العسكري والاستراتيجي إحسان القيسون، عن صدع عميق في طبيعة العلاقة بين البلدين.
ففي الوقت الذي تعبر فيه ناقلات تحمل أعلاماً أخرى الممر المائي الاستراتيجي دون عوائق، يقف النفط العراقي رهينة أزمة تهدد بزلزال مالي قد يطال رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستحقات الرعاية الاجتماعية.
وفي حديثه إلى "التاسعة" على سكاي نيوز عربية، قال القيسون إن ما يجري يتجاوز التصريحات الدبلوماسية إلى "كبد الحقيقة"، حيث تتجلى، وفق وصفه، علاقة "المالك بالمملوك" بكل أبعادها الاقتصادية والعقائدية.
"علاقة المالك بالمملوك"
يرى القيسون أن "كل من لديه نظرة استراتيجية عميقة للعلاقات الإيرانية العراقية، وبدون تزييف للحقائق، كان يتوقع هذا التصرف الإيراني" الذي وصفه بـ"المتعجرف".
وكشف أن العراق طلب 3 مرات، وليس مرة واحدة، استثناء نفطه من القيود المفروضة على مضيق هرمز، لكن طهران لم تستجب.
وأضاف أن من ينظر إلى الصورة الكاملة للعلاقة بين البلدين "سيصل إلى كبد الحقيقة"، وهي أن إيران تتعامل مع العراق "كتعامل المالك مع المملوك"، معزياً ذلك إلى "التأثير العقائدي على الحاكمية الشيعية في العراق"، وهو ما يمنح طهران، بحسب وصفه، القدرة على "أخذ أي شيء" داخل البلاد.
من الميليشيات إلى النفط
واستدل القيسون على ذلك بمحطات عدة، قائلا إن إيران "أعطت تعليماتها للحكومة العراقية" لإرسال 18 فصيلاً وميليشيا لمساندة النظام السوري ضد الشعب السوري، وهو ما جرى تنفيذه.
وفي الجانب الاقتصادي، كشف أن إيران أمرت بـ"خلط النفط الإيراني مع النفط العراقي وتصديره كنفط عراقي"، مؤكداً أن الحكومة العراقية استجابت لذلك، في ما اعتبره دليلا على حالة من الاستلاب السياسي تجاوزت حدود السيادة الوطنية.
الفساد والسلاح.. عقبتان أمام الدولة
وفي قراءته للمشهد السياسي، أشار القيسون إلى أن رئيس الوزراء الحالي، الذي رُشح من قبل "الإطار التنسيقي" و"الحاكمية الشيعية" قبل أقل من ستين يوماً، بدأ بخطوات لمكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة.
إلا أنه اعتبر أن منظومة الفساد والسلاح خارج إطار الدولة "وُلدت من رحم النظام السياسي"، وهي مرتبطة بالحاكمية الشيعية التي يُعد السلاح خارج الدولة، بحسب تعبيره، سلاحها. ولذلك استبعد أن يتمكن رئيس الحكومة من "تمزيق العباءة الإيرانية" ما لم يقطع "أذرع إيران داخل العراق"، ويستمد قوته من الدستور والشعب.
وفند القيسون ما وصفه بـ"المغالطة التاريخية" القائلة إن إيران ساعدت العراق في مواجهة تنظيم داعش، مؤكداً أن "أكبر المستفيدين من احتلال داعش لأراضٍ سورية وعراقية هي إيران".
وأوضح أن طهران زودت العراق بأسلحة قديمة من مخزوناتها تعود إلى الحرب العالمية الثانية وستينيات القرن الماضي، مثل مدفع 106 وناقلة BMP-1 وبنادق الكلاشنكوف، ثم باعتها للعراق بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية بأضعاف.
وقال: "الكلاشنكوف التي سعرها 5 سنتات بيعت للعراق بخمسين سنتاً، بعشرة أضعاف سعرها".
وأضاف أن إيران أرسلت أيضاً مستشارين عسكريين برواتب وصفها بـ"الفلكية"، قائلا: "المستشار الواحد لا يقل راتبه عن 40 ألف دولار شهرياً"، معتبراً أنها حققت بذلك مكاسب اقتصادية كبيرة، إلى جانب توسيع نفوذها وتشكيل ميليشياتها في العراق وسوريا بذريعة قتال تنظيم داعش.
أحزاب مرتبطة بإيران.. والشعب يدفع الثمن
واعتبر القيسون أن معظم الأحزاب الحاكمة في العراق اليوم تأسست داخل إيران منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهي، بحسب وصفه، أحزاب الإسلام السياسي التي "حين تركب الموجة الديمقراطية تجعل الديمقراطية أكثر بشاعة من الدكتاتورية".
ويرى القيسون أنه ما لم تُعد صياغة آليات جديدة للعملية السياسية، فإن "العباءة الإيرانية سوف لن تتمزق في العراق".
وأضاف أن إيران تحاول تحميل كلفة الحرب الجارية لدول المنطقة لا لإسرائيل التي "لن تتأثر بغلق مضيق هرمز"، ولا للولايات المتحدة التي "باتت تبيع نفطها إلى اليابان والصين".
واختتم القيسون حديثه بالتأكيد على أن طريق الخلاص لا يمر عبر الاستقواء بالخارج، بل عبر استمداد القوة من الدستور والشعب العراقي.